أحمد بن يحيى العمري
366
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
خاتمة تتعلق بما تقدم اعلم أن الأرض جسم بسيط قام البرهان على أن طبعها بارد يابس ، وهي كما زعموا متحركة إلى الوسط . وزعموا أن شكل الأرض قريب من الكرة ، والقدر الخارج ( 212 ) محدّب ، لأنهم اعتبروا خسوفا واحدا ، فوجدوا في البلاد الشرقية والغربية في أوقات مختلفة ، فلو كان طلوعه وغروبه دفعة واحدة ، لما اختلف بالنسبة إلى البلاد . وإنما خلقت باردة لأجل الغلظ والتماسك ، إذ لولاهما لما أمكن قرار الحيوان على ظهرها ، وحدوث المعادن والنبات في بطنها . وزعموا أنها ثلاث طبقات : طبقة قريب من المركز ، وهي الأرض الصرفة ، وطبقة طينية ، وطبقة انكشف بعضها وأحاط البحر بالبعض الآخر وهي مركز الأفلاك واقفة في الوسط بإذن الله تعالى . والهواء والماء يحيطان بها من جميع الجهات . والإنسان في أي موضع وقف على سطح الأرض يكون رأسه مما يلي السماء ورجلاه مما يلي الأرض ، وهو يرى من السماء نصفها ، وإذا انتقل إلى موضع آخر ظهر له من السماء مقدار ما خفي له من الجانب الآخر ، لكل تسعة عشر فرسخا درجة . ثم إن البحر المحيط أحاط بأكثر وجه الأرض ، والمكشوف منها قليل ناتئ عن الماء على هيئة بيضة غاطسة في الماء ، خرج من الماء محدّبها ، وليست منظمة ملساء ، ولا مستديرة ، بل كثيرة الارتفاع والانخفاض . أما باطنها فكثير الأودية والأهوية والكهوف والمغارات ، ولها منافذ وخلجان كلها ممتلئة مياها وبخارات ورطوبات دهنية ينعقد منها الجواهر المعدنية . وتلك الأبخرة والرطوبات دائما في الاستحالة والتغير والكون والفساد . أما ظاهرة فإنها كثيرة الجبال والأودية والجداول والبطائح والآجام والدحال « 1 » والغدران ، وفيها منافذ
--> ( 1 ) : جمع دحلة ، وقد تقدمت .